الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
136
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المستقبل للدلالة على مضارع متحقق الوقوع ، وبذلك يمكن أن تكون إشارة إلى كلا المعنيين حالهم في الدنيا وحالهم في الآخرة . جمع من المفسرين ذكروا في أسباب نزول هذه الآية والآية التالية لها أنهما نزلتا في ( أبي جهل ) أو ( رجل من مخزوم ) أو قريش ، الذين صمموا مرارا على قتل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولكن الله سبحانه وتعالى منعهم من ذلك بطريقة إعجازية فكلما أرادوا إنزال ضربة بالنبي عميت عيونهم عن الإبصار أو أنهم سلبوا القدرة على التحرك تماما ( 1 ) . ولكن سبب النزول ذلك لا يمنع من عمومية مفهوم الآية وسعة معناها ، بحيث يشمل جميع أئمة الكفر والمعاندين ، وفي الضمن فهي تعتبر تأييدا لما قلناه في تفسير فهم لا يؤمنون في أن المقصود بهم هم أئمة الكفر والنفاق وليس أكثرية المشركين . الآية التالية تتناول وصفا آخر لحالة تلك المجموعة ، وتمثيلا ناطقا عن عوامل وأسباب عدم تقبلهم الحقائق فتقول : وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا وحوصروا بين هذين السدين وأمسوا لا يملكون طريقا لا إلى الأمام ولا إلى الوراء ، آنئذ فأغشيناهم فهم لا يبصرون . ويا له من تشبيه رائع ! ! فهم من جهة كالأسرى في الأغلال والسلاسل ، ومن جهة أخرى فإن حلقة الغل عريضة بحيث أنها ترفع رؤوسهم إلى السماء ، وتمنعهم من أن يبصروا شيئا مما حولهم ، ومن جهة ثالثة فهم محاصرون بين سدود من أمامهم وخلفهم وممنوعون من سلوك طريقهم إلى الأمام أو إلى الخلف . ومن جهة رابعة فهم لا يبصرون إذ فقدت عيونهم كل قدرة على الإبصار . تأملوا مليا ماذا ينتظر ممن هو على تلك الحال ؟ ما هو مقدار إدراكه للحقائق ؟ ماذا يمكنه أن يبصر ؟ وكيف يمكنه أن ينقل خطاه ؟ فكذلك حال المستكبرين
--> 1 - تفسير الآلوسي ، المجلد 22 ، صفحة 199 .